ابن رشد

151

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

جهة خرقهم فيها للإجماع كما زعم ، وبدّعهم في مسائل . وأتى فيه بحجج مشكّكة ، وشبه محيّرة ، أضلت كثيرا من الناس عن الحكمة وعن الشريعة . ثم قال في كتابه المعروف ب " جواهر القرآن « 48 » ، إن الذي أثبته في كتاب " التهافت " هي أقاويل جدلية ( 45 / ظ ) . وإن الحق إنما أثبته في ( - كتابه ) " المضنون به على غير أهله " « 49 » . ثم جاء في كتابه المعروف ب " مشكاة الأنوار " ، « 50 » فذكر فيه مراتب العارفين باللّه ، فقال : إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن اللّه سبحانه غير محرك السماء الأولي ، وهو الذي صدر عنه هذا المحرك . وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية . وهو قد قال في غير ما موضع إن علومهم الإلهية هي تخمينات ، بخلاف الأمر في سائر علومهم . وأما في كتابه الذي سماه ب " المنقذ من الضلال " « 51 » ، فأنحى فيه على الحكماء ، وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة ( - التفكير ) ، وأن هذه المرتبة هي من جنس مراتب الأنبياء في العلم . وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذي سماه ب " كيمياء السعادة " . [ 162 ] فصار الناس بسبب هذا التشويش والتخليط فرقتين : فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمة ، وفرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفه إلى الحكمة . وهذا كله خطأ ، بل ينبغي أن يقرّ الشرع على ظاهره ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة ، لأن التصريح بذلك هو تصريح بنتائج الحكمة لهم ، دون أن يكون عندهم برهان عليها . وهذا لا يحل ولا يجوز ، أعني : أن يصرح بشيء من نتائج الحكمة لمن لم يكن عنده البرهان عليها ، لأنه لا يكون لا مع العلماء الجامعين بين الشرع والعقل ، ولا مع الجمهور المتبعين لظاهر الشرع . فلحق من فعله هذا إخلال بالأمرين جميعا ، أعني : بالحكمة وبالشرع ، عند أناس ، وحفظ الأمرين جميعا عند آخرين .

--> ( 48 ) جواهر القرآن للغزالي . انظر ص 21 . منشورات دار الآفاق الجديدة . بيروت 1981 . ( 49 ) المضنون به على غير أهله . دار الكتب العلمية . بيروت . ضمن مجموعة رسائل الغزالي . ( 50 ) مشكاة الأنوار . ص 91 . الدار القومية للطباعة والنشر بالقاهرة . تحقيق أبو العلاء عفيفي . ( 51 ) المنقذ من الضلال . دار الأندلس . بيروت 1981 ص 139 . تحقيق جميل صليبا وكامل عياد .